الخريجة


المريحة لكنها لم تمش أبدا الطريق الذي سلكته. هذه الأحذية لم تنل شرف أن تطأ المكان الذي وطئته قدماك. أرجوك تقبليها. ليست هدية بل اعترافا بجدارتك.
امتلأت عيناي بالدموع. أردت أن أقول شيئا لكن الكلما ت علقت في حلقي.
فقال المدير
اليوم علمتنا معنى كلمة التفاني. ذكرتنا أن التعليم ليس امتيازا يشترى بل حق ينتزع. وأريتنا أن الجدارة الحقيقية ليست في أن تبدأي من القمة بل أن تصلي إليها من القاع.
تناولت الحذاء بيدي المرتجفتين. كان ناعما أنيقا ثقيلا مختلفا تماما عن أي شيء عرفته من قبل.
همست
شكرا سيدي المدير لكن إن سمحت لي لن أرتديه الآن.
رفع حاجبيه باستغراب فتابعت
أريد أن أنهي هذا اليوم بالطريقة نفسها التي بدأته بها بالقدمين اللتين أوصلتاني إلى هنا.
سأرتدي هذا الحذاء غدا عندما أبدأ أول يوم لي كمعلمة.
حين أبدأ بفتح الطرق لآخرين مثلما فعلت أنا حفاة بخطى بطيئة لكن ثابتة.
اڼفجرت القاعة تصفيقا. بعضهم كان يبكي.
عانقني المدير وشعرت أن شيئا تغير في تلك اللحظة ليس لي وحدي بل لكل من سيأتي بعدي.
عندما غادرت الجامعة في ذلك المساء كانت الشهادة في يد وحذاء المدير في اليد الأخرى.
نظرت إلى الطريق الطويل الممتد نحو البيت.
كانت قدماي لا تزالان حافيتين متعبتين لكنهما تمشيان الآن بمعنى جديد.
لقد تعلمت أمرا مهما
ليس المهم أن تبدأ حافيا
المهم أن تستمر في السير.
وأنا لن أتوقف عن السير أبدا
أبنائي باعوني قبل أن يبيعوا بيتي لكنهم لم يعرفوا أنني أملك سرا سيغير كل شيء.
اسمي ليلى. أبلغ من العمر ستين عاما وكنت أظن أنني حين أصل إلى هذا العمر سأجلس وسط أبنائي وأحفادي أسمع ضحكاتهم تملأ البيت الذي بنيته طوبة طوبة مع أبيهم.
لكن القدر كان يعد لي مشهدا مختلفا تماما.
هل جربت أن تربي أبناءك بدمك ودموعك ثم يأتي اليوم الذي يلقونك فيه إلى الشارع كأنك غريبة
هل جربت أن تبكي لا لأنك جائعة بل لأن من ربيتهم صاروا غرباء
أعنف الچروح يا عزيزي لا تترك دما بل تترك صمتا صمتا ينام بجوارك كل ليلة ويناديك باسمك القديم ماما.
أنجبت ثلاثة أدهم منى ويوسف.
كنت لهم الأم والأب بعد رحيل أبيهم.
عملت في البيوت خطت الملابس حتى الفجر وبعت مصوغاتي القديمة كي أشتري لهم كتبا وملابس للمدرسة.
كنت أؤمن أن الحب كاف لكنني كنت مخطئة.
في ذلك الصباح الذي لن أنساه كنت أعد العدس والخبز الساخن كعادتي.
دخل أدهم ابني الأكبر وجهه جامد.
وراءه منى تمسك هاتفها ببرود ويوسف يتجنب نظري.
قال أدهم
ماما لازم تتكلمي معنا شوية.
ابتسمت. خير يا ولدي
قالت منى دون أن ترفع عينيها
قررنا تتركي البيت.
سقطت الملعقة من يدي.
أترك البيت ولماذا
رد أدهم بجمود
بعناه. نحتاج الفلوس.
نظرت إلى يوسف ربما أجد في وجهه رحمة. لكنه أدار رأسه كالغريب.
قلت هذا بيت أبوكم! بناه ليكون مأوى لنا جميعا.
ردت منى ببرود قاټل
ودورك خلص يا ماما. كلنا