الخريجة


كبرنا.
تلك اللحظة كس رت شيئا داخلي.
ليس لأنهم باعوا البيت بل لأنهم باعوا الأم.
بعد أيام قليلة جاؤوا بشاحنة جمعوا أغراضي كأنها متاع قديم.
قالت منى وهي تسلمني ظرفا فيه مبلغا صغيرا
تصرفي يا ماما وسنتصل بك لاحقا.
لم يتصل أحد.
جلست على رصيف بارد أمام متجر مغلق.
كانت معي حقيبة صغيرة فيها ثوبي وذكرياتي وصور أبيهم.
نظرت إلى السماء وقلت بهدوء
يا رب خذني إن كنت قد أنهيت درسي.
لكن الله لم يأخذني.
بل منحني درسا آخر.
تذكرت كلما ت زوجي في آخر أيامه
ليلى لا تثقي بأحد. حتى بأقرب الناس.
يوما ما ستحتاجين هذا المفتاح.
لا تبكي حينها فقط افتحي الصندوق وابدئي من جديد.
ذلك المفتاح كان مخبأ في درج قديم في غرفة نومنا.
وفي الليلة التي طردت فيها عدت خلسة إلى البيت.
انتظرت حتى نام أصحابه الجدد. دخلت من الباب الخلفي كما كنت أفعل زمانا.
تجنبت البلاطة التي تصدر صريرا ورفعت الخزانة ووجدت اللوح الخشبي الذي يخبئ السر خلفه.
وهناك كان الصندوق.
مغطى بطبقة من الغبار لكنه ما زال في مكانه.
فتحته بأصابع مرتعشة.
وفي داخله أوراق مالية ومجوهرات بسيطة وشهادة استثمار باسمي.
دموعي نزلت بهدوء لم تكن دموع حزن هذه المرة بل دموع انتصار صامت.
زوجي لم يترك لي مالا فقط.
ترك لي كرامة حين حاولوا سر قتها.
في اليوم التالي استأجرت غرفة صغيرة بجوار السوق.
موقد قديم سرير خشبي ونافذة تطل على العالم من جديد.
أعددت لنفسي فطورا بسيطا ونظرت في المرآة.
كانت التجاعيد كثيرة لكنها لم تعد علامة ضعف بل علاما ت حرب نجوت منها.
بما تبقى من المال فتحت مطبخا صغيرا عند زاوية السوق.
أطبخ العدس والخبز والسلطات نفس الأكلات التي أحبها أولادي حين كانوا صغارا.
الناس أحبوا الطعام أحبوا الدفء فيه. قالوا لي
طعمه يذكرنا بأمهاتنا.
ومع الأيام صار المطبخ الصغير ملاذا لي ولمن حولي.
وفي مساء ما بينما كنت أغلق المحل دخل رجل أنهكه التعب.
جلس بصمت طلب طبق عدس.
وحين رفع رأسه تجمد.
كان أدهم.
تردد ثم قال بصوت مكسور
ماما
ابتسمت وضعت أمامه الطبق وقلت بهدوء
كلي يا بني الأكل بيبرد.
لم أقل شيئا آخر.
لم أعاتبه. لم أظهر له الصندوق ولا المال.
تركته يرحل وضميره أثقل من أي عقاپ.
اليوم يعرفني الناس باسم الحاجة ليلى المرأة التي تبيع الدفء أكثر من الطعام.
سمعت أن أولادي تفرقوا بسبب المال وغرقوا في ديون لا تنتهي.
لكنني لم أشمت.
أدعو لهم كل ليلة لأن القلب الأمومي لا ينتقم بل يغفر في صمت.
القوة الحقيقية ليست أن تملك مالا بل أن تنهض بعد أن يظن الجميع أنك انتهيت.
وزوجي كان يعرف أنني سأفعل.
وهكذا بدأت حياتي الثانية 
امرأة فقدت بيتها فوجدت نفسها.