لأجلها بقلم امل نصر


انتفخت في جبهتها تنبيء بوضوح أنها على وشك الانفجار
يعني حضرتك روحت للراجل الغريب وعن تليفوني سألت واتطجست برضو هجولهالك تاني إيه دخلك باظ بسببك ولا بأي سبب تاني برضو ما يخصكش ولا يخص أي حد 
توقفت تهدئ من وتيرة أنفاسها المتسارعة وصمت هو قليلا يمتص ڠضبها غير متأثر بكل ما تلفظت به فهذا المتوقع منها أصلا ليستدعي الحكمة في مخاطبة القطار المشتعل ماشي رغم كل زعيقك وصراخك أنا برضو هاعمل بتربيتي وأصلي الطيب جلتها قبل كده إنه قفل بسببي وأنا ما اتعودتش أغلط وماصلحش غلطي بس يا ريت يبجى فيه تفاهم منك 
لم تفهم الأخيرة حتى التف بجذعه أمامها وأدخل يده في السيارة متناولا منها علبة بيضاء برقت أبصارها بخطړ حين علمت بفحواها ومع ذلك لم يتراجع أو يهتز وهو يقدمه لها
دا واحد بدل اللي ضاع يا أبلة اعتماد ممكن تعتبريه عوض وممكن تعتبريه هدية النبي قبل الهدية 
اهتزت أمامه كالقدر الذي يغلي فوق النيران الموقدة شرار ناريتيها يكاد أن يحرقه بتصاعد ثورات الاعتزاز والكرامة التي تصدح داخلها تنادي بالاڼتقام لذاتها كيف يفعلها وكيف يجرؤ وكيف 
براحة على نفسك شوية يا أبلة اعتماد أنا ما بغلطش فيكي ولا بقلل منك هو بس إحساس بالمسؤولية لخطأ ارتكبته وعايز أصلحه 
هكذا وبكل سهولة أردف يخفف وطأة الشعور بالدونية الذي يكتنفها كلما مرت بموقف مشابه لتعبر عن رفضها وبقوة وأنا ما بجبلش العوض ولا الهدية 
عاد فجأة بعلبة الهاتف يلقيها داخل السيارة بكل بساطة
تمام أنا كده عملت اللي عليا ثم امتدت كفه إلى الباب يفتحه ويستقل مقعده خلف عجلة القيادة يردف لها على عجالة وهو يدير المحرك كان ودي أتصرف بمروءة وأجولك اتفضلي أوصلك في طريقي بس أخاف كمان تفهميني غلط وده المتوقع عن إذنك يا أبلة اعتماد 
ظلت على صمتها تراقبه حتى ابتعد بسيارته لتغمغم في أثره بحنق شديد وقد ضيع عليها فرصة الانفجار وصب جام ڠضبها عليه مغرور وقليل ذوق 

قامت بتسخين المياه على الموقد الطيني في القدر النحاسي الذي ورثته عن والدتها لتستخدم المياه الدافئة للاستحمام ثم جلست متربعة القدمين تمشط شعرها الطويل عائدة لروتين النساء قديما وراحتها التي غابت عنها على مدار سنوات زواجها 
راحتها الحقيقية التي وجدتها هنا رغم التعب في تحضير كل شيء حتى في تسخين المياه مرآة صغيرة كانت ترفعها إليها كل حين وآخر تتأمل وجهها النضر والشعر الأسود يحاوطه من الجانبين العيون التي بدأت تحرص على تكحيلها لترى جمالهما المميز أصبحت ترى نفسها تستشعر الأنوثة التي كانت غائبة عنها رغم كلمات الإعجاب التي تتلقاها دائما حتى من النساء ذلك الإحساس الرائع تتمنى من الله ألا تحرم منه امرأة 
تنهدت بعمق وقد تذكرت المتسبب الرئيسي في عودة تلك المشاعر إليها لتزفر بضيق وتنفض رأسها لا تريد التفكير به ولا التأثير على قناعتها لا تريد 
أخرجها من شرودها صوت طرق الباب الخشبي يليه نداء ابن شقيقها
افتحي يا عمة مزيونة أبويا جا معايا استقامت مبتهجة تركض إلى الباب تستقبل شقيقها الغائب دائما بفضل عمله خارج المحافظة وبلهفة لا تقل عنها قابلها هو الآخر يقبل وجنتها وجبهتها متغزلا بعد أن تطلع إليها جيدا
تبارك الرحمن فيما خلق ولا أكنك رجعتي لعمر الستاشر يا بت أبوي رجعتي مزيونة على حق 
أضاف عليه حازم هو الآخر أيوه يا بوي والله أنا بقولها كده دايما وهي ما بتصدجش 
تبسمت بخجل أصابها ساحبة شقيقها معها إلى الداخل
بس يا واد بطل بكش أخويا شايفني بعين المحب عمره ما هيشوفني كبرت واصل 
طب ما إنت فعلا ما كبرتيش يا خيتي لساكي برضك مش مصدجة
قالها وصفي ضاحكا فتتنعم هي بحنانه وتعبر عن امتنانها
حبيبي يا خوي ربنا ما يحرمني منك بس مفاجأة حلوة جيتك النهاردة هتجعد معانا
اليوم كله بجى هنتغدى أنا وإنت والواد حازم ونتصل بالعيال وأمهم 
واض يا حازم اتصل بأمك بسرعة و 
قاطعها وصفي
حيلك حيلك يا بت أبوي تجيبي المرة والعيال كيف وإحنا أصلا معزومين عند نسايبك
نسايب ااا 
توقفت تستدرك مقصده فتابع هو باستفساره
إيه الحكاية يا مزيونة ده أنتي حتى من أول الناس المعزومين الحجة حسنية ولا منى حمزة نفسه ما بلغكيش
ابتلعت بتوتر عند ذكره الأخير تحاول التوضيح بحرج
لا طبعا كلموني أنا بس بصراحة مش عايزة 
مش عايزة ليه يا مزيونة دي عزومة عادية الراجل عاملها يبخت بيته الجديد 
بماذا تخبره لا تجد في رأسها الحجة المقنعة ومع ذلك تصر على رأيها هذا الرجل الذي يحاصرها أينما اتجهت حتى في أحلامها ومع ذلك تصر على موقفها
هو أنا روحت يعني اللي هتزود ولا تنقص روحوا إنتوا احضروا العزومة وتعالوا أنا مستنياكم نجضي اليوم مع بعض 

مسكينة هي حين ظنت أنها سوف تنفذ قرارها وكيف تفعل وقد لف شباكه باحترافية تمنع عنها حتى التفكير
فقد اتخذ جلسته خارج منزله على الأريكة المقابلة لمنزلها يستقبل الرجال من أبناء عمومته وزوجاتهم وشقيقاته وأزواجهم يدخل الرجال إلى دار الضيافة الواسعة والتي جعلها عن قصد في الخلف حتى لا يزعج خصوصيته أحد مع المزيونة المتمردة والتي كانت تخفي نفسها داخل منزلها منذ الصباح ومع ذلك تتورط وعلى غير إرادتها بالمشاركة والترحيب بالحاضرين بدون أدنى جهد منه 
فجميع نساء العائلة ممن حضرن مع أزواجهن أو بلا كانت تذهب أقدامهن إلى منزلها قبل منزله يلتقين بها ويسألنها وهي تختلق الحجج حتى نفدت طاقتها بحضور حسنية نفسها ومنى التي هي هتفت بها فور الولوج إليها
انتي لسة جاعدة مكانك يا ولية والبيت بيضرب يقلب هناك 
تلجلجت وهي ترحب بهن
وه يا منى ادخلي سلمي الأول بي اتفضلي يا حجة حسنية اتفضلي 
عارضتها حسنية بلطفها المعتاد
ندخل فين يا بنيتي ونسيب الناس والبيت المليان هناك إنتي لسة جاعدة مكانك ليه يا مزيونة هو إنتي غريبة يا بنيتي
ابتلعت تبحث عن سبب منطقي يمنعها
يا حجة أصل يعني هو 
هو إيه بس يا مزيونة يا بتي اتحركي ياللا حتى على الأقل عشان تونسي بنيتك 
ليلى هتحضر
سألتها بلهفة لتؤكد لها منى
أيوه يا ستي ومعاها معاذ كمان قبل ما يسافر على شغله بكرة يعني البيت كله هيحضر وهما لأ
 
بعد لحظات ليست بالقليلة خرجت تنعش الهواء من حوله بحضورها ترافق والدته وشقيقته بخطوات يحفها الخجل 
هو ليس بالأعمى حتى لا يرى بأم عينيه تأثيره عليها حتى وإن ادعت العكس بذلك التجهم الذي تتصنعه وقد خرجت مجبرة حسب ما فهم من بعض الحجج التي تواترت على مسامعه عن سبب غيابها وقد أنبأته صباحا بعبوس الأطفال 
فاردة ظهرها بعزة تمشي بجوار والدته التي أطلقت زغرودة كبيرة من فمها قبل أن تلقي بنفسها عليه تبارك وتهنئ وتقبل وجنتيه
تكون عتبة السعد عليك يا نضري تملاها بالولاد والبنات اللي تخاوي بيهم ولدك 
ضحك بمرح يلقي كلمات ذات مغزى يخطف بنظراته إليها كل لحظة
آه يا ست الحبايب بس تيجي صاحبة النصيب الأول وإحنا نخاوي ريان بالولاد والبنات والأحفاد إن شاء الله فيما بعد 
كريم ينولك نصيبك 
تمتمت بها والدته بتضرع ليتجه ببصره بعد ذلك نحو مزيونة التي تغيرت لشيء آخر 
قد ذهب عنها خجل المراهقات الذي أصبح يصاحبها في حضرته ليحضر شيء آخر لم يفهمه ربما سببه كانت تلك الكلمات الأخيرة التي أردفت بها والدته 
عتبة سعيدة إن شاء الله يا أبو ريان 
تسلمي يا أم ليلى ربنا يبارك فيكي 
أخيرا هتخشي البيت مع الجماعة وتشوفي البيت 
قال الأخيرة بمزاح قابلته بابتسامة باهتة فاقدة الحياة ثم تحركت تتبع والدته نحو باب منزله والذي ستدخله لأول مرة 
اقتربت منى تجذبه من ياقته پعنف كي ينتبهه إليها
ما خلاص سيبها تدخل وانت شوف أختك يا عديم الحساسه 
ألف مبروك يا حبيبي عتبة السعد والهنا إن شاء الله 
تقبل العناق ومباركتها بابتهاج لا حدود له يعبر عنه كالطفل ناسيا وضعه كرجل كبير رب عائلة وناضج
دخلت بيتي يا منى ادعيلي يا خيتي تبجى من نصيبي ادعيلي ربنا يهديها على أخوكي يا بت 
قابلت رجاءه بعطف شديد
إن شاء الله يا حبيبي تكون من نصيبك والله ليحصل بإذن الله 
يا رب يا رب 
ظل يتمتم بالدعاء حتى بعد ذهابها واستقبال فردين من أبناء عمومته من ضمن المدعوين تغمره حالة من الشرود والتساؤلات التي تدور في عقله عن رد فعلها حين ترى داخل المنزل 
كم ود أن يترك مكانه ويريها كل قطعة فيه ليعرف رأيها وإن كانت تعجبها أم يغيرها من أجلها 
وفي غمرة تلك التساؤلات تفاجأ بحضور آخر شخص يتمنى غيابه الآن 
روان 
تمتم بعد استيعاب يراقب ترجلها من السيارة بصحبة صغيره الذي يكاد أن يطير من الفرح يسحبها من يدها وهي تضحك
براحة يا قلب ماما أنا مش قدك ولا أقولك خلاص وصلنا أهو إزيك يا حمزة ألف مبروك على البيت 
بوجوم واضح تلقى تهنئتها يومئ برأسه وبصوت بالكاد يسمع
أهلا يا روان الله يبارك فيكي 
اكتنفها حرج شديد من رد فعله فسارعت بالتوضيح لتخفف من ثقل الموقف
ريان هو اللي عزمني على فكرة مكنتش أعرف إنه مقالكش 
على العموم لو رافض دخولي البيت أرجع عادي أنا أصلا جاية أبارك وبس عشان عزومة يعني ولا حاجة 
ألقى بنظرة خاطفة نحو صغيره قبل
أن يعود إليها بحنق في نبرة صوته
ودي عمايل ولاد أصول برضو عيب يا روان البيت بيتك 
اتفضلي جوا مع الحريم 
ترددت عن التحرك من محلها فتوجه بالأمر حازما نحو صغيره واض يا ريان اسحب أمك على البيت جوا عند الحريم أخلص يا واض 

طافت بها على جميع الغرف لم تترك موضعا في المنزل حتى عرفتها به فلم يتبق سوى غرفة واحدة كانت الأخيرة وفور أن دخلتها مزيونة اكتنفها شيء غير مفهوم لتسألها
دي شكلها أوضة نوم بتاعة 
قطعتها ناظرة إليها بعتاب تجاوزته منى وهي تتحدث بمكر
أيوة يا حبيبتي دي أوضة حمزة إيه رأيك فيها بجى
ابتلعت رمقها بارتباك شديد لتجيبها بحدة
وأنا مالي يا منى أجول رأيي فيها ليه حلوة لصحابها وخلاص يلا بينا خلينا نرجع 
همت أن تلتف ولكن منعتها منى توضح ببراءة
وه يا مزيونة أنا بسألك عشان أشوف رأيك عادي حكم إني مكنتش عجباني جوي أكمنها عصرية زيادة عن اللزوم مش زي الأنواع اللي إحنا متعودين عليها حمزة اشتراها جديدة زي ما عمل مع كل العفش في البيت الجديد 
هي لم تكذب في الأخيرة كانت بالفعل مبهرة عصرية وفاخرة كصاحبها وصاحبة النصيب أيضا التي تليق به 
أين